محمود محمود الغراب

150

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

فأعطى الكرسي بالقوة حقيقته ، وأبرم في العالم رقيقته ، يا أيها الحاضرون ، ألم أكن فيكم نعم الداعي والحافظ ؟ فيقولون : صدقت ، الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن ، ورضي اللّه عنك فلقد كنت نعم الواعظ ، جزاك اللّه عنا أفضل ما جازى به داعيا ، وجعل لك في كل مقام من مقامات الجمع المقدس ناديا . خطيب الأشقياء : قعد الخطيب الناطق على كرسيه في النار ، وقام بين يديه وزراؤه الفجار ، وقال : الحمد للّه الذي خلق اللوح والقلم ، وكتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة مما علم ، وجعل الكرسي موضع قدم القدم ، المنزه وجوده أن يكون مسبوقا بعدم ، فحقت الكلمات في اللوح علينا أهل الخسران ، وعلى أهل الروح والريحان ، إذ جعلنا كرسيه علمه لا غير ، وكذبنا نبيه فناط بنا الضير ، وأحرمنا الخير ، دللتكم أيها الحاضرون الضالون المكذبون على ما فيه شقاؤكم ، وحرضتكم على ما يسلّط به عليكم بلاؤكم ، وخاطبت كل طائفة منكم على قدر نقصان عقلها ، وقهرها تحت سلطان وهمها ، فمن غلبت منكم روحانيته على خسة جسمانيته ، جعلت له هذه العبارات الحسية ، إشارات إلى أمور معنوية ، وكل من ألحقها بالمحسوس ، فنظره معكوس ، وحشره منكوس ، وقلت في قوله تعالى ، يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ إنه أراد الرجال ، وقلت في ذلك : إنه محال ، وإعطائه لسليمان تسخير الرياح ، إنما أراد به الأرواح ، وكون مريم حين تمثل الروح بشرا إليها ، أن خيالها حكم عليها ، وكذبت بالملك والشيطان والمس ، وقلت : إنّ هذا كله من المخاطبات التمويهية لإيقاع اللبس ، وأن ذلك عبارة عن أخلاط فاسدة تجسدت من أغذية ردية ، وأن الملائكة عبارة عن قوى في النفس روحانية وخواطر نفسانية ، وأنه ما في الأفلاك سوى نجومها ، وأن الملائكة عبارة عن قوى سلطان علومها ، وأمثال هذا الهذيان ، الذي لا يقوم عليه برهان ، وأما من غلبت منكم جسمانيته على روحانيته ، فخاطبته على ما علمت من قصور فهمه ، وعدم علمه ، وقلت له : إذا لم يكن كلام ربك بحروف وصوت ، فماذا تسمع ؟ وأنزلت له الصفات المقدسة المعنوية على مثال ما يصححه أول عقله ، فقبل ولم يدفع ، فلحق بأهل التشبيه والتجسيم ، ووصف